العيني

233

عمدة القاري

صل ركعتين ، وحث الناس على الصدقة ، قال : فألقوا ثيابا فأعطاه منها ثوبين ، فلما كانت الجمعة الثانية جاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ، فحث الناس على الصدقة ، قال . فألقى أحد ثوبيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : جاء هذا يوم الجمعة بهيئة بذة فأمرت الناس بالصدقة فألقوا ثيابا ، فأمرت له منها بثوبين ، ثم جاء الآن فأمرت الناس بالصدقة فألقى أحدهما ، فانتهره وقال : خذ ثوبك ) . انتهى . وكان مراده بأمره إياه بصلاة ركعتين أن يراه الناس ليتصدقوا عليه ، لأنه كان في ثوب خلق . وقد قيل : إنه كان عريانا ، كما ذكرناه ، إذ لو كان مراده إقامة السنة بهذه الصلاة لما قال في حديث أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قلت لصاحبك : أنصت ، والإمام يخطب فقد لغوت ) . وهو حديث مجمع على صحته من غير خلاف لأحد فيه ، حتى كاد أن يكون متواترا ، فإذا منعه من الأمر بالمعروف الذي هو فرض في هذه الحالة فمنعه من إقامة السنة ، أو الاستحباب بالطريق الأولى ، فحينئذ قول هذا القائل ، فدل على أن قصة التصديق عليه جزء علة لا علة كاملة غير موجه ، لأنه علة كاملة . وقال أيضا : وأما إطلاق من أطلق أن التحية تفوت بالجلوس ، فقد حكى النووي في ( شرح مسلم ) عن المحققين أن ذلك في حق العامد العالم أما الجاهل أو الناسي فلا . قلت : هذا حكم بالاحتمال ، والاحتمال إذا كان غير ناشىء عن دليل فهو لغو لا يعتد به ، وقال أيضا 1764 ; في قولهم : ( إنه صلى الله عليه وسلم لما خاطب سليكا سكت عن خطبته حتى فرغ سليك من صلاته ) رواه الدارقطني بما حاصله أنه مرسل ، والمرسل حجة عندهم . وقال أيضا : فيما قاله ابن العربي ، من أنه صلى الله عليه وسلم لما تشاغل بمخاطبة سليك سقط فرض الاستماع عنه ، إذ لم يكن منه حينئذ خطبة لأجل تلك المخاطبة ، وادعى أنه أقوى الأجوبة . قال : هو من أضعف الأجوبة ، لأن المخاطبة لما انقضت رجع صلى الله عليه وسلم إلى خطبة وتشاغل سليك بامتثال ما أمر به من الصلاة . فصح أنه صلى في حالة الخطبة . قلت : يرد ما قاله من قوله هذا ما في حديث أنس الذي رواه الدارقطني الذي ذكرنا عنه أنه قال : والصواب أنه مرسل ، وفيه : ( وأمسك أي النبي صلى الله عليه وسلم عن الخطبة حتى فرغ من صلاته ) يعني : سليك ، فكيف يقول هذا القائل : فصح أنه صلى في حالة الخطبة ، والعجب منه أنه يصحح الكلام الساقط ؟ وقال أيضا : قيل : كانت هذه القضية قبل شروعه صلى الله عليه وسلم في الخطبة ، ويدل عليه قوله في رواية الليث عند مسلم : ( والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر ) . وأجيب : بأن القعود على المنبر لا يختص بالابتداء ، بل يحتمل أن يكون بين الخطبتين أيضا ، قلت : الأصل ابتداء قعوده بين الخطبتين ، محتمل فلا يحكم به على الأصل على أن أمره صلى الله عليه وسلم إياه بأن يصلي ركعتين ، وسؤاله إياه هل صليت ؟ وأمره للناس بالصدقة ، يضيق عن القعود بين الخطبتين ، لأن زمن هذا القعود لا يطول . وقال هذا القائل أيضا : ويحتمل أيضا أن يكون الراوي تجوز في قوله : ( قاعد ) . قلت : هذا ترويج لكلامه ، ونسبة الراوي إلى ارتكاب المجاز مع عدم الحاجة والضرورة . وقال أيضا : قيل : كانت هذه القضية قبل تحريم الكلام في الصلاة ، ثم رده بقوله : إن سليكا متأخر الإسلام جدا ، وتحريم الكلام متقدم حجدا ، فكيف يدعى نسخ المتأخر بالمتقدم مع أن النسخ لا يثبت بالاحتمال ؟ قلت : لم يقل أحد إن قضية سليك كانت قبل تحريم الكلام في الصلاة ، وإنما قال هذا القائل : إن قضية سليك كانت في حالة إباحة الأفعال في الخطبة قبل أن ينهى عنها ، ألا يرى أن في حديث أبي سعيد الخدري ، رضي الله تعالى عنه ، فألقى الناس ثيابهم ، وقد أجمع المسلمون أن نزع الرجل ثوبه والإمام يخطب مكروه ، وكذلك مس الحصى ، وقول الرجل لصاحبه أنصت ، كل ذلك مكروه ، فدل ذلك على أن ما أمر به صلى الله عليه وسلم سليكا ، وما أمر به الناس بالصدقة عليه كان في حال إباحة الأفعال في الخطبة . ولما أمر صلى الله عليه وسلم بالإنصات عند الخطبة وجعل حكم الخطبة كحكم الصلاة ، وجعل الكلام فيها لغوا كما كان ، جعله لغوا في الصلاة . ثبت بذلك أن الصلاة فيها مكروهة ، فهذا وجه قول القائل بالنسخ ، ومبنى كلامه هذا على هذا الوجه لا على تحريم الكلام في الصلاة . وقال هذا القائل أيضا : قيل : اتفقوا على أن منع الصلاة في الأوقات المكروهة يستوي فيه من كان داخل المسجد أو خارجه ، وقد اتفقوا على أن من كان داخل المسجد يمتنع عليه التنفل حال الخطبة ، فليكن الآتي كذلك ، قاله الطحاوي ، وتعقب بأنه قياس في مقابلة النص ، فهو فاسد . قلت : لم يبنِ الطحاوي كلامه ابتداء على القياس حتى يكون ما قاله قياسا في مقابلة النص ، وإنما مدعي الفساد لم يحرر ما قاله الطحاوي ، فادعى الفساد ، فوقع في الفساد . وتحرير كلام الطحاوي أنه روى أحاديث عن سليمان وأبي سعيد الخدري ، وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وأوس بن أوس رضي الله تعالى عنهم ، كلها تأمر بالإنصات إذا خطب الإمام ، فتدل كلها أن موضع كلام الإمام ليس بموضع للصلاة ، فبالنظر إلى ذلك يستوي الداخل والآتي